ابن عجيبة

491

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إن الإماء إذا تزوجن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ، وهو الزنا ، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد ، وهو خمسون ، لأن حد البكر مائة . ويفهم منه أنها لا ترجم ؛ لأن الرجم لا يتبعض . وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها ، ولا رجم عليهم ، وسمى الحد عذابا ، كقوله : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . الإشارة : بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب ، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب الآداب ، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب ، وليس يطلب من البعيد ما يطلب من القريب ، وانظر إلى أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال تعالى لهن : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ . وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله . ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب ، بعد التدريج والتدريب ، وتأمل قضية الجنيد ، حيث قيل له في المنام : مثلك لا يرضى منه هذا ، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل ، غير أن المقربين يعاتبون ، ويردون إلى الحضرة ، وأهل البعد يزيدون بعدا ، ولكن لا يشعرون ، والله تعالى أعلم . ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول ، فقال : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ . . . قلت : العنت : المشقة والضرر ، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم ، ولا سيما بأفحش الفواحش ؛ وهو الزنا ، ( يريد الله ليبين لكم ) ، أي : لأن يبين ، واللام زائدة في المفعول ، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة . يقول الحق جل جلاله : ذلِكَ أي : نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في الزنا ، الذي هو أقبح الفواحش ، فنكاح الأمة ، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا . وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاحهن ، مع التعفف عن الزنا ، خَيْرٌ لَكُمْ لئلا يرق أولادكم . وعن أنس قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهّرا فليتزوّج الحرائر » وقال أبو هريرة : سمعته صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « الحرائر صلاح البيت ، والإماء هلاك البيت « 1 » » .

--> ( 1 ) الحديث ضعفه السيوطي في الجامع الصغير .